بن عيسى باطاهر
169
المقابلة في القرآن الكريم
وهذا من كمال عدل القرآن الكريم ورحمته بالنّاس حيث إنّه منح للمشرك والكافر فرص إعادة النظر فيما هو فيه ، وفرص مراجعة النفس عسى أن ترجع عن الكفر وتدخل في دائرة الإيمان ، ومقابلة الآيات بين الظلم والعدل واضحة بارزة ، وهي تهدف إلى بيان صفة هذا النموذج البشري ، وبيان العدل الإلهي في معاملة الناس على اختلاف مشاربهم . وقال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 32 - 33 ] . وردت هذه الآيات في سياق الحديث عن أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ، فبعد مجيء رسالة الإسلام « أراد هؤلاء أن يطفئوا النور الذي أفاضه اللّه على البشر بهداية دينه الحق الذي أوحاه إلى موسى وعيسى وغيرهما من رسله ثم أتمه وأكمله ببعثة خاتم النبيين محمد صلى اللّه عليه وسلم بالطعن في الإسلام ، والصدّ عنه بالباطل ، كما فعلوا من قبل بمثل الأقوال في عزير والمسيح التي لم تتجاوز أفواههم إلى معنى صحيح ، وبما ابتدعه الرؤساء له من التشريع ، حتى صار التوحيد الذي أمروا به عندهم شركا ، والعبد المربوب ربا ، والعابد المألوه إلها » « 1 » . وإرادتهم هذه وقصدهم إلى إبطال الإسلام ، وطمس القرآن ظلم أيّما ظلم ، فهو ظلم للّه بشركهم به وكفرهم بدينه ، وظلم لرسوله بمعاداته ومحاربته ، وظلم لأنفسهم بتوصيلها إلى المهالك ، وإبعادها عن الهدى . أما العدل الإلهي فيتمثّل في إرادة اللّه سبحانه وحده وأنّه سينصر دينه ، ويبثّ شرعه ، ويظهر نوره على الدين كلّه ولو كره المشركون ، وهذا العدل هو في مقابل ما صدر من المشركين من ظلم وعدوان ، فالصراع بين الحق والباطل هو صراع دائم مستمر ، ولكن الغلبة في النهاية هي للحق دائما ، والعدل الإلهي
--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 383 .